محمد بن علي الشوكاني

1157

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الإلهي ، والتعليم الرباني ، فإنك لو جئت بكل عبارة في الرد على هؤلاء المنافقة لم تجد جوابا أبلغ من هذا ولا أقطع ، ولا أنكا لقلوهم ، وأخرس لألسنهم منه فإن غاية ما يتأثر عن مزيد العداوة هو الغيظ ، فإن تعاظم وتفاقم وأفرط بصاحبه بلغ به الموت ، فإذا قلت لمن غلت مراجل قلبه ، واضطرمت نيران جوفه ، واضطربت أمواج صدره . مما جلبته عليه عداوته لك من الغيظ : ( ! ا بغيظك ) فقد بلغت من نكايته مبلغا لا تفي به عبارة ، ولا يحيط به قول ، لأنك جئت بغاية ما تبلغ إليه كيده ، وينهي الله غيظه ، وقلت له : مت بغيظك ، فإنك لم تضر به إلا نفسك ، ولم ينجع إلا فيك ، ولا بلغ هذه الغاية إلا منك ، وعند أن يسمع هذا الجواب يزداد غيظا إلى غيظه ، وبلاء إلى بلائه ، ومحنة إلى محنته ، وكانت الثمرة التي استفادها من عداوته وما حمله من حسده هو هذا العذاب العظيم ، والبلاء المقيم ، ولم ينل أهل الإيمان من ذلك شيء أصلا فحار كيده عليه { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله } ( 1 ) ورجع بغيه إليه : { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } ( 2 ) وعاد نكثه إلى نفسه : { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } ( 3 ) وخداعه به { يخدعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم } ( 4 ) ، ثم أخبر - سبحانه - عباده المؤمنين بأنه عليم . مما تجنه الصدور ، وتخفيه القلوب ، وفي ذلك تسلية للمؤمنين عظيمة عما يكاد يلحق هم من غم لما يسمعونه من جلبة المنافقين عليهم ، وصولتهم وعداوتهم لهم ، لأن ما كان بعلم الرب - سبحانه - ، وكائن لديه فهو المجازي لفاعله ، المنصف من قائله ، وكفى به - سبحانه - منصفا من

--> ( 1 ) [ فاطر : 43 ] ( 2 ) [ يونس : 23 ] ( 3 ) [ الفتح : 10 ] ( 4 ) [ البقرة : 9 ]